حسن الأمين

89

مستدركات أعيان الشيعة

ولكن لا يمكن القبول بقول من ذهب إلى أن الشاعر كان مختصا بهذا الأمير ( السلطان بايقرا ) ، ويمكن القبول بأنه مدحه وحسب ، وإذا كان برندق قد اختص بشخص فالراجح هو قول تقي الدين بملازمة برندق لا بني تيمور : جلال الدين أميران شاه ( م 810 ) كما مر آنفا ، والشيخ عمر الذي كان في حياة أبيه حاكما على فارس ، ثم قتل بالقرب من بغداد ( عام 796 ه‍ ) في رحلته إلى آسيا الصغرى . والحق ان نقول بان الشاعر برندق لازم في بعض حياته الشعرية الأمير أميران شاه وحسب . امضى ابن نصرت آخر أيامه في سمرقند والظاهر أنه توفي فيها . وكانت وفاته حسب ( ترجمة روز روشن ) في عام 815 هبينما ذكر تقي الدين الكاشاني انها عام ( ست وثمانمائة « 806 » ) وفي صحف إبراهيم عام 816 ه‍ . وإذا لم يكن قول تقي الدين سهوا فهو مردود قطعا لان عام 807 ورد في بعض شعره ، والظاهر عدم صحة عامي 815 و 816 ه‍ ، لان تقي الدين ذكر ان عمر الشاعر كان ثمانين عاما ويمكن تأييد هذا القول بالأحوال والمعلومات المستفادة من شعره ، والأخبار الواردة عن ملازمته للسلطان بايقرا بن الشيخ عمر ، وكذلك إقامته في هرات عشر سنين وأمثال ذلك ، وكل هذه الأمور تؤكد وصول عمر برندق إلى حدود الثمانين عاما . فإذا كانت ولادته عام 757 هفان وفاته حينئذ ستكون في عام 837 ه‍ ، والأرجح ان عام ( ست وثمانمائة ) جاء سهوا عن ( ست وثلاثين وثمانمائة ) أو انها بدلت خطا كما وقع في تراجم ( صحف إبراهيم ) و ( روز روشن ) حين استبدلت 836 و 835 ب 816 و 815 ه‍ . من هنا ينبغي ان نحدد عام 835 أو 836 تاريخا لوفاة الشاعر برندق ، والله أعلم . وفي نهاية المقال وقبل ان نبدأ بمطالعة آثار وأسلوب الشاعر برندق ، نود ان نطلع القارئ على المصدر الوحيد الذي يجدر الاهتمام به بشأن ترجمة برندق ، وهو خلاصة الاشعار لتقي الدين ، ومن ثم نورد مقطعا من هذا المصدر : « ينحدر مولانا بهاء الدين برندق في الأصل من خجند ، وكان أبوه الأمير نصرت شاه في بداية حكومة الأمير الكبير تيمور حاكما على هذه الولاية ، ومعروفا فيها بحسن سيرته وسخائه ، ويعد من أعاظم الأمراء . ولكن برندق كان مقيما في دار السلطنة سمرقند بعيدا عن عمل أبيه ولا يتدخل فيه ، وكان الغالب على طبعه الشعر والهزل ، فاخذ زمام المبادرة في هذا المجال ، ولم يكن أحد من شعراء عصره يطمح للوصول إلى مكانته ، ونال منزلة لا توصف لدى أولاد وأحفاد الأمير الكبير تيمور ، ولا سيما لدى الأمير ميران شاه والأمير الشيخ عمر ، وترك بافكاره الرصينة ونظرته البعيدة قصائد غراء في جواب الشعراء ومدح الأمراء ويقال انه لازم السلاطين فترة ، ثم سلك طريق السفر ، فزار كثيرا من البلدان وتشرف بحج بيت الله الحرام ، ثم عاد من سفره وتوجه إلى الهند ، فكسب فيها ذهبا كثيرا ، وصاحب العديد من مشايخها وأخذ يترقى بين سالكي طريق الله ، ويتخلص من القيود والتسويلات والتخيلات الشيطانية التي كانت مستولية على قلبه بقوة العقل وسلطان الحزم . وبعد خمس وعشرين سنة من السفر عاد إلى وطنه المألوف ، وحط رحاله في سمرقند ومكث فيها إلى آخر أيام حياته صادق النية صافي العقيدة ، ملازما للدراويش وأرباب التفكر ، وكان يبذل الجهد دائما في سبيل مساعدة الفقراء وأهل السلوك ، وكان سابقا في المكارم بين كرماء تلك الديار . ناهز عمره الثمانين عاما امضى أكثرها في خدمة أهل النظم وأرباب العلم ، وسكن هرات عشر سنوات ثم غادرها . ولما كان رجلا فصيحا ومن نسب رفيع فقد كان شعراء وفضلاء خراسان يتعاملون معه باجلال واحترام ويخاطبونه بالأستاذ . وفي زمن سلطنة أولاد وأحفاد الأمير الكبير تيمور گورگان وخصوصا بايقرا بن الشيخ عمر سافر الشاعر من خراسان إلى العراق ( 1 ) ، وأخذ يتنقل بينه وبين فارس وآذربايجان ثم توجه إلى بلاد ما وراء النهر ، حتى استقر به الأمر في مدينة سمرقند في شهور سنة ست وثمانمائة » . ومن خلال نظرة اجمالية إلى ما كتبه تقي الدين يمكن الأخذ بارائه بعد اجراء التعديلات التاريخية ، وحينئذ يجب ان نذكر التوضيحات التالية بشأن قوله : 1 - ما ذكره تقي الدين بشأن مهارته بالهزل كان تكرارا لما ذكره أصحاب التراجم الآخرون ، وما ذكره الشاعر برندق نفسه في بعض شعره . الا ان بروزه لم يكن في مجال الهزل كما زعم الأمير علي شير ودولت شاه ومن نحا نحوهم ، انما كان في المدح إضافة إلى ما كان ينظمه في الوعظ والحكمة والتوحيد وذكر مناقب الرسول ( ص ) وعلي بن أبي طالب ( ع ) ، فهو شاعر عظيم لا يمكن ان يقتصر بشعره على الهجاء والسخرية . 2 - ما قاله تقي الدين من أن الشاعر كان ينظم قصائد غراء في جواب الشعراء هو أمر صحيح وسيأتي الحديث عنه في موضعه . 3 - الظاهر عدم صحة ما ذكره تقي الدين بشأن استغراق سفر برندق وبقائه في الهند مدة خمس وعشرين سنة ، إذ يبدو من شعره انه عاش في الهند فترة أقصر من ذلك وانه كان غير راض عن حياته فيها . وتثبت بعض الشواهد انه لم يترك المدح بعد عودته من الهند ، فقد رأينا في شعره مدحا للسلطان خليل ، ولكن لا يستبعد ان حجه لبيت الله الحرام وتشرفه بزيارة مشايخ الهند أثرا على سلوكه في آخر حياته ، فأنشأ ينظم قصائد في التوحيد وذكر الفضائل والمناقب والمواعظ . 4 - ليس ثمة دليل بين آثار الشاعر الموجودة يثبت صحة ما ذهب تقي الدين اليه من إقامة الشاعر عشر سنوات في هرات ، وكذلك فان ظواهر الأمور لا تؤيد ذلك . ولكن في الوقت ذاته ليس لدينا دليل يدحض قول تقي الدين بهذا الشأن . 5 - زعم تقي الدين ان سفر برندق إلى العراق وفارس وآذربايجان كان بعد معرفته بالسلطان بايقرا ، ولكن الأحداث التي أوردناها آنفا تنفي صحة هذا الأمر ، لا سيما وان معرفة الشاعر بالسلطان بايقرا ( على فرض صحتها ) لا بد أن تكون في أواخر حياة الشاعر ، بعد الثانية والستين من عمره ، ومن الطبيعي ان السياحة ستكون امرا متعذرا على شخص بهذه السن وخصوصا في تلك العصور . 6 - ما زعمه تقي الدين بشأن كسب الشاعر لمال وافر في الهند ، يبدو مخالفا تماما لما ورد في شعره ، فهو يشكو من إفلاسه ويشير إلى الحيرة التي كان يعيشها في بلاد الهند في قصيدته التي يمدح بها السلطان خليل .

--> ( 1 ) المقصود هنا عراق العجم ، وأهم مدنه أصفهان وهمذان وقم وغيرها .